القرطبي
151
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
في مقالتنا ويقطع يأسه ، فقال يهوذا : والله لئن فعلتم لأكونن لكم عدوا ما بقيت ، ولأخبرن أباكم بسوء صنيعكم ، قالوا : فإذا منعتنا من هذا فتعالوا نصطد له ذئبا ، قال : فاصطادوا ذئبا ولطخوه بالدم ، وأوثقوه بالحبال ، ثم جاءوا به يعقوب وقالوا : يا أبانا ! إن هذا الذئب الذي يحل بأغنامنا ويفترسها ، ولعله الذي أفجعنا بأخينا لا نشك فيه ، وهذا دمه عليه ، فقال يعقوب : أطلقوه ، فاطلقوه ، وتبصبص له الذئب ، فأقبل يدنو [ منه ] ( 1 ) ويعقوب يقول له : ادن ادن ، حتى ألصق خده بخده ( 2 ) فقال له يعقوب : أيها الذئب ! لم فجعتني بولدي وأورثتني حزنا طويلا ؟ ! ثم قال اللهم أنطقه ، فأنطقه الله تعالى فقال : والذي اصطفاك نبيا ما أكلت لحمه ، ولا مزقت جلده ، ولا نتفت شعرة من شعراته ، والله ! ما لي بولدك عهد ، وإنما أنا ذئب غريب أقبلت من نواحي مصر في طلب أخ لي فقد ، فلا أدري أحي هو أم ميت ، فاصطادني أولادك وأوثقوني ، وإن لحوم الأنبياء حرمت علينا وعلى جميع الوحوش ، وتالله ! لا أقمت في بلاد يكذب فيها أولاد الأنبياء على الوحوش ، فأطلقه يعقوب وقال : والله لقد أتيتم بالحجة على أنفسكم ، هذا ذئب بهيم خرج يتبع ذمام أخيه ، وأنتم ضيعتم أخاكم ، وقد علمت أن الذئب برئ مما جئتم به . ( بل سولت لكم ) أي زينت . ( لكم أنفسكم أمرا ) غير ما تصفون وتذكرون . ثم قال توطئة لنفسه : ( فصبر جميل ) وهي : الثانية - قال الزجاج : أي فشأني والذي اعتقده صبر جميل . وقال قطرب : أي فصبري صبر جميل . وقيل : أي فصبر جميل أولى بي ، فهو مبتدأ وخبره محذوف . ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصبر الجميل فقال : " هو الذي لا شكوى معه " . وسيأتي له مزيد بيان آخر السورة إن شاء الله . قال أبو حاتم : قرأ عيسى بن عمر فيما زعم سهل بن يوسف " فصبرا جميلا " قال : وكذا قرأ الأشهب العقيلي ، قال وكذا في مصحف أنس وأبي صالح . قال المبرد : " فصبر جميل " بالرفع أولى من النصب ، لأن المعنى : قال رب عندي صبر جميل ، قال : وإنما النصب على المصدر ، أي فلأصبرن صبرا جميلا ، قال :
--> ( 1 ) من ع وك وى . ( 2 ) في ع وك وو : بفخذه .